الشيخ محمد الصادقي

9

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

الآية ثم انتهوا « 1 » فلا يبقى عليهم جناحه « إِذا مَا اتَّقَوْا » الخمر منذ نزول الآية فتركوها فإنها كفارة له ، فكلما يقرب إليه راجح واجباً وسواه ، وكلما يبعد عنه مرجوح محرماً وسواه ، وأصل ثان هو الموادة بين المؤمنين على توحيد اللَّه وعبوديته ، فكل ما يورث العداوة والبغضاء بينهم محرم ، اللهم إلَّا ما هو مفروض يفرضه اللَّه ويرفضه متخلفون عن طاعة اللَّه كافرين ومسلمين . وهنا « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » تنظيم في حقل الإيمان بعقل الإيمان ، اعتصاماً بحبل اللَّه دون تفرق عنه أو تفرق فيما بينهم ، حيث إن الايمان هو رمز الوحدة في كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ، فلا عداوةَ - إذاً - ولا بغضاء . وعلَّ الفارق بينهما أن العداوة هي الباطنة أم هي أعم من الظاهرة ، والبغضاء هي الظاهرة قضيةَ صيغة التفضيل ، فهما العداوة باطنة وظاهرة ، والمفروض بين قبيل الإيمان الاعتصام بحبل اللَّه جميعاً دون أي تفرق . فالمفروض على المؤمنين تكريس كل طاقاتهم وامكانياتهم في الاعتصام بحبل اللَّه جميعاً ، وسلب كافة التفرقات حتى يسودوا سائر الناس النسناس الذين يتربصون بهم كل دوائر السوء ف « أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . فإن تركوا المعصية توبةً فاللَّه يتوب عليهم دون أن يبقى جناح الشرب لزاماً عليهم . ذلك ، ولأن شرب الخمر ناقض للإيمان فلابد بعد التقوي عنه من تجديد الإيمان وعمل الصالحات التي تصلح لجديد الإيمان ، ومن ثم تقوى ثانية علَّ منها التقوى في التصميم بعد التقوى في ترك الشرب حتى تكون توبة نصوحاً ، فإن مجرد الترك لا يستلزم

--> ( 1 ) ) في الدر المنثور 3 : 320 عن ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فكيف‌باصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر فنزلت « لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ . . . » وفيه عن براء بن عازب قال : مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وهم يشربون الخمر فلما نزل تحريمها قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فنزلت هذه الآيات ، أقول : لا تعني « لما نزل تحريم الخمر » إلَّا نزول آية المائدة بهذه الصراحة والتأكيدات دون نزول أصل التحريم حيث سبقتها فيه مكيات ومدنيات ، ولو كان نزول أصل التحريم لما كان جناح على الذين كانوا يشربونها قبل التحريم حتى يسألوا عنهم وتنزل آية براءتهم !